الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
92
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
« الموقف المائة والواحد والخمسون : قال الله تعالى حاكياً قول موسى لخضرٍ عليهما السلام : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً « 1 » ، اعلم أن المريد لا ينتفع بعلوم الشيخ وأحواله إلا إذا انقاد له الانقياد التام ، ووقف عند أمره ونهيه ، مع اعتقاده الأفضلية والأكملية ، ولا يغني أحدهما عن الآخر ، كحال بعض الناس ، يعتقد في الشيخ غاية الكمال ويظن أن ذلك يكفيه في نيل غرضه ، وحصول مطلبه ، وهو غير ممتثل ولا فاعل لما يأمره الشيخ به ، أو ينهاه عنه ، فهذا موسى عليه السلام ، مع جلالة قدره وفخامة أمره ، طلب لقاء الخضر عليه السلام وسأل السبيل إلى لُقِيه ، وتجشم مشاق ومتاعب في سفره ، كما قال : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً « 2 » ومع هذا كله لماَّ يمتثل نهياً واحداً وهو قوله : فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً « 3 » ما انتفع بعلوم الخضر عليه السلام ، مع يقين موسى عليه السلام الجازم أن الخضر أعلم منه بشهادة الله تعالى ، لقوله تعالى عندما قال موسى عليه السلام : لا أعلم أحداً أَعلم مني : ( بلى ، عبدنا خضر ) وما خص علماً دون علم ، بل عمَّم . وكان موسى عليه السلام أولًا ما علم أن استعداده لا يقبل شيئاً من علوم الخضر عليه السلام . وأما الخضر عليه السلام ، فإنه علم ذلك أول وهلة فقال : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً « 4 » . وهذا من شواهد علمّيةالخضر عليه السلام فلينظر العاقل إلى أدب هذين السيدين . قال موسى عليه السلام : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً « 5 » ، أي : هل تأذن في اتباعك ، لأتعلم منك ؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم لذوق .
--> ( 1 ) - الكهف : 66 . ( 2 ) - الكهف : 62 . ( 3 ) - الكهف : 70 . ( 4 ) - الكهف : 67 . ( 5 ) - الكهف : 66 .